بقلم نتالي حمدان ترامب والمتغيرات الأمريكية القادمة

بقلم نتالي حمدان ترامب والمتغيرات الأمريكية القادمة 

بقلم نتالي حمدان ترامب والمتغيرات الأمريكية القادمة 

ترامب والمتغيرات الأمريكية القادمة

هل يشكل قدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما يحمله من توجهات ظهرت إبان حملته الإنتخابية وتتفاعل على المستوى الأمريكي الداخلي كما على المستوى الدولي عشية تقلده منصب الرئاسة في ال 20 من الشهر الجاري 2017  تحول جذرياً في السياسة الأمريكية؟؟؟

إن جملة الخطوات الأخيرة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة باراك أوباما والتي تتالت جميعها في الأسبوع الأخير من شهر ديسيمبر للعام المنصرم ما هي إلا إنعكاس لحالة الإرتباك التي تعتري المجتمع الأمريكي. وهي مجموعة من الخطوات الإحترازية التي جاءت بها الإدارة الأمريكية الحالية في أيامها الأخيرة  تخوفاً من شخصية  وسياسات وتوجهات قد  تتجاوز المقاييس الأمريكية المعروفة والتي وضعت في إطار الحفاظ على مصالح الدولة العظمى . حيث أثارت تصريحات دونالد ترامب خلال حملته الإنتخابية والمتطرفة جداً مخاوف أمريكية بالدرجة الأولى وعالمية بالدرجة الثانية.

وبالرغم من أن السياسة الخارجية الأمريكية لا يحكمها أشخاص وإنما مؤسسات قائمة بحد ذاتها إلا أن المواقف تجاه بعض الملفات قد يكون لها أثراً بالغاً على شكل ومصالح أمريكا في العالم كما على الإستقرار الأمريكي الداخلي والمهدد بالزعزة والتغيير في حال قام ترامب بتطبيق وعوداته التي أطلقها خلال حملته الإنتخابية، حيث لم تلاقي العديد من المواقف التي تبناها دونالد ترامب التأييد من قبل قطاع واسع من المجتمع الأمريكي، ووفقاً لأحدث إستطلاع رأي أوردته قناة " أن بي سي نيوز " فإن " 57% من الشعب الأمريكي عارضوا ما طرحه دونالد ترامب في برنامجه الإنتخابي من مواقف مناهضة للأقليات، خاصة الأقاليات المسلمة، والتي لم يؤيدها إلا 25% من الشعب الأمريكي"

هذا وقد طرح دونالد ترامب العديد من الأفكار التي تتنافى مع أسس الديموقرلطية والتي تأصل للعنصرية وتأجج الكراهية في المجتمع الأمريكي. حيث لم تقتصر دعوات ترامب للطرد على العرب والمسلمين وإنما تجاوزت ذلك لتطال كل المهاجرين واللاجئين الذين لا يحملون أوراق ثبوتية وذلك تحت ذرائع عدة،الأمر الذي لم يلاقي قبولاً أمريكيا والذي لاقى إستهجان عالمي كبير من قبل دول عربية وأوروبية وغيره.

فتوجه ترامب فيما يتعلق بمعالجة مشكلة الحدود واللاجئين وبناء سور حدودي مع المكسيك لمنع دخول اللاجئين غير الشرعيين، ومنع المسلمين من دخول أمريكا وغيره من التوجهات الغير مألوفة والتي إن أراد تطبيقها فإنها ستكلف أمريكا ثمنا باهظاً على المستوى السياسي والإقتصادي والإجتماعي مما حذى بقلق الإدارة الامريكية الحالية وجعلها متحفظة جداً تجاه بعض المواقف.

ولم تقتصر تخوفات الإدارة الأمريكية على المستوى الداخلي وانما رافقتها تخوفات وإجراءات مسبقة لتقييد السياسة الخارجية للإدارة القادمة خاصة في العلاقة مع روسيا وما رافقها من إتهامات لدور روسيا وطبيعة العلاقة الخاصة ما بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترامب  والذي أشير إلى دوره في التأثير على نتائج الإنتخابات الأمريكية الأخيرة.

ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية الحالية بوضع مقاييس محددة للرئيس الأمريكي القادم وتكبيله بسلسلة من القرارات التي لا يمكنه بالسهولة تجاوزها، ويأتي إنطلاقاً من رؤية أوباما وإدارته الرامية للحفاظ على المصلحة الأمريكية العليا والمعرضة لخطر التهور والتطرف. فقد قامت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بسلسلة من الخطوات الإحترازية كان آخرها بتاريخ 29/12/2016 حيث أمر الرئيس الأمريكي الحالي والمنتهية ولايته بطرد 35 دبلوماسي روسي من أمريكا، بالإضافة إلى مجموعة من القرارات لتنفيذ عقوبات إقتصادية على روسيا، هذا واستندت الإدارة الأمريكية في قراراتها الأخيرة إلى تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA الذي أورد " وصل التدخل الروسي في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة لصالح مرشح الرئاسة الجمهوري دونالد ترامب ضد المرشحة الديموقراطية هيلاري كلنتون إلى حد استخدام الهاكرز الروس إلى الهجمات الإلكترونية وإختراق الحسابات الخاصة لأعضاء في الحزب الديمقراطي " .

قد يكون من السذاجة الأخذ بهذه الإتهامات خاصة وأن الجميع يعرف بأن مسألة الإنتخابات الأمريكية هي مسألة داخلية وسيادية تجلت في كافة المحطات التاريخية للإنتخابات الأمريكية منذ عهد الرؤساء المؤسسين للدولة الأمريكية ولغاية الآن، وهذا ما يحفز البحث في مجالات أخرى لفهم طبيعة التوتر الحالي بين إدارة أوباما والروس عامة بما يستدعي فهم التحولات الإقتصادية والسياسية في العقد الأخير.

وعلى صعيد آخر ترافق سلوك الإدارة الأمريكية الأخير والمدجج بحالة من القلق الذي يعتري المؤسسات الأمريكية حول طبيعة المتغيرات التي سترافق الحكم الترامبي وكيفية التصدي لها مع بعض المواقف التي تطرحها أمريكا للمرة الأولى، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطبيق وعوداته وخاصة لدولة إسرائيل في ظل المتغيرات التي إعترت الموقف الأمريكي والدولي كما تجلى في قرار مجلس الأمن الأخير 2334 ؟؟

 إذن وإنطلاقاً من المخاوف التي ذكرناها حاولت الإدارة الأمريكية وضع إطار واضح لرؤيتها الشاملة حول حل الصراع العربي الإسرائيلي والمتمثل بحل الدولتين، الأمر الذي إعتبرته الإدارة الحالية مفتاح للسلام في منطقة الشرق الأوسط كما مفتاح للقضاء على الإرهاب والتطرف. وحتى لا تتبدد جهود وآمال السلام وفقاً لما أعلن على لسان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري كان على الولايات المتحدة أن تمرر قرار دولي من خلال مجلس الأمن يقضي بضرورة توقف إسرائيل الفوري عن ممارسة نشاطها الإستيطاني في الأراضي المحتلة عام 1967 والذي يشكل عقبة حقيقية أمام إستئناف المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. .
وجاء خطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والذي صدر من واشنطن في 28  /12/2016  ليرسم خطوط عريضة لم تتطرق لها إدارة أوباما على مدار سنوات حكمه الثمانية ولم يوضحها كيري خلال دوره كوزير خارجية منذ عام 2013، إذ تضمن الخطاب بعض القضايا التي عكست رؤية الإدارة الأمريكية الحالية كما كشفت النقاب عن القناعة التامة التي ترسخت لدى إدارة أوباما والمتمثلة بالحفاظ على توازن العلاقة مع إسرائيل وفي نفس الوقت حمايتها وحماية المصالح الأمريكية من خطر الإنزلاق في وحل العودة إلى خيار الدولة الواحدة، الأمر الذي لا يمكن القبول به فلسطينياً ولا يمكن تطبيقه إسرائيلياً . لذلك وفي إطار حل الدولتين الذي هو السبيل الوحيد الممكن لإقامة السلام العادل والدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كان لا بد من وضع أرضية تنطلق منها إدارة ترامب لحث المساعي التي من شانها الحفاظ على السلام في المنطقة .

فقد شكل هذا الخطاب إطار مرجعي تضمن نقاطاً مركزية مفادها أنه لا يمكن أن يتحقق أي تقدم في مباحثات السلام بدون إعطاء الفلسطينيين ضمانات كافية تقر لهم بحقهم في قيام دولة فلسطينية ضمن مقومات الدولة المركزية من حدود وسيادة وحكومة فاعلة وعلاقات طبيعية مع المحيط الإقليمي والدولي. وهذا ما أشار إليه جون كيري في خطابه الأخير الذي حاول فيه أن يشكل خريطة طريق تلزم الإدارة القادمة بجوهرها وتحد من مغالات ترامب في دعم أي مخططات إسرائيلية من شأنها تأجيج الصراع وتضييع فرص السلام في المنطقة.

 وبالرغم من أن كيري طرح العديد من القضايا الخلافية التي لم تلاقي ترحيباً فلسطينياً إلا أن خطابه شكل نوع من التقدم النسبي الذي يمكن ان يدفع بفرصة جديدة للسلام .فالتغير الحاصل في الموقف الأمريكي الحالي  هو نتاج  تخوفات وخلافات داخلية أمريكية حول إدارة الشؤون الداخلية والخارجية والتي ترغب الإدارة الأمريكية الحالية الحفاظ عليها ضمن الإطار التقليدي وعدم المساس بالنهج العام المبني على تكامل الأدوار وتواصلها بين مختلف الإدارات المتعاقبة خاصة فيما يتعلق بالمصلحة الإستراتيجية الأمريكية بغض النظر عن شخصية وحزب كل إدارة.

وقد جاء التوجه الأمريكي وخطاب كيري الأخير متوافقاً نسبياً مع التغير الحاصل في الموقف الأوروبي الذي يشكل عاملاً ضاغطاً بإتجاه التوازن في المواقف تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.إذ شكل إعلان وزير الخارجية الفرنسي لوزان فابيوس قبل أن يستقيل من منصبه في شهر شباط /2016  والذي ترافق مع موقف للإتحاد الأوروبي نقطة تحول تجاه الجدية التامة لرفض الإستيطان ورفض السلوك الإسرائيلي المستهتر بقرارات الشرعية الدولية والمستمر في سياساته الكولونيالية والعنصرية. فبدى الموقف الأوروبي " والفرنسي الأكثر تشددا منذ عقود" في رفضه لإستمرار الإستيطان ورغبته في وضع شروط لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. حيث شمل الموقف الأوروبي سلسلة من الإنتقادات التي طالت السياسة الأمريكية وبدى فيها وزير الخارجية الفرنسي فابيوس منتقداً للسياسات الأمريكية ووصفاً إياها بالمنحازة لإسرائيل بشدة معبراً عن رفض بلاده الإستمرار في دعم الموقف الأمريكي بهذا الشكل كما عن نوايا الإتحاد الأوروبي في مقاطعة الإستيطان بشكل غير مسبوف.

كما ترافق ذلك مع إصرار أوروبي عامة وفرنسي خاصة على عقد مؤتمر باريس للسلام والذي تم إنعقاده في الخامس عشر من الشهر الجاري بمشاركة 70 دولة من دول العام أجمت على أهمية طرح حل جدي للسلام في منطقة الشرق الأوسط قائم على الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، كما وجهت الدول المجتمعة رسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤكد على الرفض الدولي لأي خطوات أحادية الجانب من شأنها تأجيج الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث وجهت فرنسا على لسان وزير خارجيتها جان مارك أبرولت رسالة لترامب تحذر فيها من مخاطر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس واصفاً القرار بأنه قرار خطير.

وبالرغم من أن الحلول التي طرحت من الإدارة الأمريكية لا تلبي الطموح الفلسطيني بالإعتراف بدولة كاملة العضوية في مجلس الأمن ضمن حدود الرابع من حزيران لعام 1967 و عاصمتها القدس الشرقية بناء على قرار الجمعية العامة 67/19 لعام 2012 والذي وافق على منح فلسطين صفة دولة عضو مراقب بالأمم المتحدة إلا أن المواقف الدولية التراكمية والتي تجلت في آواخر العام 2016 تشير إلى موقف متقدم نسبياً تجاه رفض سياسات إسرائيل المتعددة خاصة في مجال الإستيطان ورفض عدم جديتها الحقيقية في حل الصراع.

من هنا نستطيع أن نستنتج أن الإدارة الأمريكية الحالية قد وضعت أمام الرئيس الأمريكي القادم حقائق وسياسات لا يمكنه تجاوزها .

بشكل عام إقتصرت هذه القراءة لطبيعة التحول في السياسة الأمريكية على ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة والتي لم تشر لطبيعة التحول في السياسة الأمريكية والتحولات في النظام الدولي، كما إلى وضع الإتحاد الأوروبي المتصاعد في أزماته الداخلية والإقتصادية، بالإضافة إلى القوة الروسية الصينية الصاعدة وتأثيرها على شكل العلاقات الدولية القادمة وتبعيات التدخل العسكري المباشر للولايات المتحدة وتكلفته الباهظة. خاصة وأنه كما أشار الكاتب والمحلل الأمريكي بول كندي في كتابه " صعود وسقوط القوى العظمى" إن معظم الإمبراطوريات سقطت نتيجة عدم التوازن بين الإنفاق العسكري والوضع الإقتصادي.

وبما أن ترامب يمثل قطاع رأس المال والشركات العابرة والمتعددة الجنسيات فإن سيناريو التوجه بإتجاه سياسة  " الإنكفاء للداخل" يشكل أحد متطلبات الحفاظ على الإمبراطورية الأمريكية للمرحلة القادمة لما يكتنفها من أزمات إقتصادية ومالية محتملة. وبالتالي قد يكون شكل العلاقة مع روسيا في محتواه إقتصادي لما تلعبه هذه الدولة من قوة وتأثير إقتصادي وأمني في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

بقلم نتالي حمدان

ليست هناك تعليقات

اهلا وسهلا بك في شبكة كنان الاعلامية عند الرد نتمنى منك الرد بدون كلام خادش للحياء وشكرا