إيفون حدّاد تنظيف الذكريات

 إيفون حدّاد تنظيف الذكريات

 إيفون حدّاد تنظيف الذكريات

بقلم :  إيفون حدّاد تنظيف الذكريات

شبكة كنان الاعلامية  يبدو أنه من الصعوبة بمكان أن أحصر عدد الأشخاص الذين يخطرون في بالي في اليوم الواحد. لدرجة أشعر فيها أن مجرد المحاولة هو أمر عسير جداً.

لا منطق في اختيار من أفكر بهم.

لا منطق ولا طبيعية، لدرجة صرت أعتقد فيها أن عقلي وذاكرتي يتسلّونَ كطفل عبثي في ابتكار العلاقات الذهنية التي تربط العالم والأشخاص بي بطريقة خارجة عن ارادتي.

وكأن مرور الآخرين في صفحات ذاكرتي هو مجرد تسلية عقلية لا يد لي فيها، فأنا مجرد أداة لا أكثر.

إذا كنت أداة في يد عقلي وأفكاري وذكرياتي فكم هي معقدة علاقتي إذاً مع عقول الآخرين وأفكارهم وذكرياتهم، مع هذا الكون الواسع.

أفكر بأشخاص يعتقدون أنه من الطبيعي أن يمرون في فضاء أفكاري، وآخرون سيجدون ذلك منطقياً بحكم الذاكرة، وآخرون سيستغربون جداً، ومنهم من لن يصدق أن يحدث ذلك.

هناك من أفرح بذكراهم وأشعر بماء الفرح ينسكب فوق جسدي، وهناك من يزعجني أن تمر صورتهم أو صوتهم أو حتى رائحتهم.

هناك من أتمنى أن يدوم حضورهم أمامي طوال النهار وهناك من أمارس ازاءهم كل وسائل الاحتيال ليخرجوا من مساحة عيوني بأسرع وقت ممكن.

هناك من أستطيع اخبارهم إن زاروا شاشة ذاكرتي وهناك من لا أستطيع، بفعل الخجل أو الخوف أو درجة حرارة الذكريات.

حسب اعتقادي، فإن كل قصص امر بها الكبيرة (وحتى الصغيرة السريعة المشاغِبة) بحلوها ومُرها، تمر أمامي كل يوم تقريباً، وقد عملتُ طوال سنين كثيرة على أن يكون مرور ضحكات من أحببتْ خفيفاً لطيفاً وساحراً في نفس الوقت. لقد أبقيت على الصور، الصور فقط، نظيفة من كل ما أحاط بها من أفكار. بملقط ناعم دقيق حاولت ك طبيبه بجراحه محترفه... أن أنزع اللغة من جسد الصورة، فلا أهتم لما قلت ولا لما قالو، لا بما فكرتُ ولا بما خطر على بالها، لأشعر وأنا أتذكر ما حدث بيننا أنني أمرّ بعفوية ودهشة في معرض صور جميل فيه كل الضاحكات.

بنفس الطريقة التي عالجتُ فيها صوري وذكرياتي اللطيفة، صرتُ أتعامل مع المؤلم منها.

أغسل الصورة بماء الروح الحي والعطور الساحرة (السحر ضروري جداً) وأهزها في الهواء بقوة المحبة، ثم أتركها تتعرض لشمس الحقيقة، فيموت ما يموت من كلمات نافرة ومشاعر مظلمة، وأعترف بقوة من بقي تفاصيل متداخلة مع نسيج قماش اللحم والدم، حتى يأتي موعد التنظيف القادم.

وكما أن الأمهات لا يخترن بمواعيد ثابتة لحظة تعريض محتويات البيت للهواء والشمس، لا أعرف أنا كيف أختار لحظة تنظيف ذاكرتي من غبار الكلمات و"عثّ" المشاعر المزعجة.

هذه الصور كلها وتكرارها حولي كشمس وكواكب، تجعلني أفهم ما سرّ هذا الإحساس غير المنطقي من حضور وطني بشكل دائم في كل ما يحدث معي، حتى أنني صرت أشعر أن الوطن يضع أبناءه لحظة الولادة في كرة زجاجية تتوسع معهم كلما كبروا، وعلى جدرانها الداخلية تلتصق الصور والذكريات، لتكون هذه الصور هي فتحة الضوء التي يرى منها كل شيء خارجي، إنها سر الماضي القادر على الحضور في الآن وفي المستقبل، وهل من فارق حقيقي بينهم؟

أشعر أني في هذه الكرة الزجاجية، أتحرك بلا تعب ولا إرادة بين صور من هنا وأخرى من هناك، أتنقل بلا وزنٍ كرائدة فضاء خارج الجاذبية، وجهدي في هذه الحياة هو أن أعبر على كل تلك الصور بنفس السلام والفرح.

في مكان اخر غير بيتي ابي، كنت أظن أني سأستطيع كسر هذه الكرة الزجاجية لأخرج لعالم أوسع، لصور أوسع وأكثر تنوعاً تجعلني أخرج من سيطرة ذكريات المكان الأول، لكنني فشلت، وسعيدة بهذا الفشل.

في كرة الوطن الزجاجية هناك طبقات كثيرة، كلما كنت أكسر طبقة كانت تحيط بي طبقة أخرى وكلما تعلمتُ لغة لأفكّ حصار لغتي الأم لي، كانت الأغاني الأولى تستلم مهمة متابعة الحصار.

أنا إذاً في كرة زجاجية تطير بي هذا الكون، أحمل فيها وطناً كاملاً بكل تفاصيله، لم يمت أحد فيه ولم تذبل فيه زهرة.

أعترف أني لم أخرج منها إلا مرات قليلة عبر ممر ضيق، أخرج مربوطة بحبل اللغة، أخرج لأرى الكون حولي بعيون الطفلة التي لم تكبر بعد، لم تكبر أبداً.

كرة زجاجية تبقيني طفلاً، فالطفل هو الذي لا يميز بينه وبين ذكرياته وما يسميه الكبار ماض وحاضر ومستقبل، يكون كله في قلبه لحظة واحدة.

يمر كثيرون في ذاكرتي، لا أعرف كيف.

ما يبدو واضحاً الآن أن مرورهم يفرحني، يفرحني جداً في هذه اللحظة بالذات.

ليست هناك تعليقات

اهلا وسهلا بك في شبكة كنان الاعلامية عند الرد نتمنى منك الرد بدون كلام خادش للحياء وشكرا